أخبار الاتحاد
27/10/2015
12:17 pm
جائزة زايد للكتاب تعلن القائمة الطويلة للمرشحين في فرع "الآداب "
ضمت القائمة الطويلة للمرشحين في "فرع الآداب" بالدورة العاشرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، 15 عملاً من أصل 270 عملاً، وينتمي مؤلفوها إلى 19 دولة عربية بحسب ما أعلنت الجائزة اليوم الثلاثاء.

22/10/2015
11:10 am
مكتبة الإسكندرية تحتضن المعرض العالمي 'ألف اختراع واختراع'
إبراهيم محلب: المعرض يُظهر فترة مضيئة في تاريخ الحضارة الإسلامية، حيث ازدهرت العلوم والمعارف وقدم المسلمون إسهامات بالغة الأهمية.

20/10/2015
8:14 pm
مُحكّمو 'زايد للكتاب' يستعدون
إغلاق باب الترشيحات للدورة العاشرة في 6 فروع، واستمرار استقبال الأعمال في فروع 'الثقافة العربية في اللغات الأخرى'، 'النشر والتقنيات'، و'شخصية العام الثقافية'.
مساحة إعلانية
سؤال التجريب هل أنتج "النص المفتوح" أشكالاً أدبية جديدة؟
سؤال التجريب هل أنتج "النص المفتوح" أشكالاً أدبية جديدة؟

سؤال التجريب هل أنتج "النص المفتوح" أشكالاً أدبية جديدة؟              

منذ سنوات عدة انشغل النقد بحديث »النص المفتوح«، ذلك الذي ينتمي إلى جنس أدبي ما، وينفتح على تقنيات وفنيات الأجناس الأخرى، ومؤخراً كثرت الرؤى والتحليلات التي ترصد تأثر الأدب بصورة أو أخرى بوسائل التكنولوجيا وبصفة خاصة »الإنترنت«، وأصبحنا نقرأ عن الأدب الإلكتروني، والتفاعلي وقصيدة المحمول وغيرها . وبين المرحلتين شهدت الساحة الثقافية كتابات لا تنتهي عن انفتاح الأدب على الفنون الأخرى كالسينما والدراما التلفزيونية، وكلها مؤشرات تدعو إلى التنازل عن أشكال أدبية جديدة موجودة بالفعل أو قيد التشكل، وهو ما حاولنا الاقتراب منه في التحقيق الآتي:

يؤكد الناقد د . عبدالمنعم تليمة أن تطور المجتمعات البشرية يصاحبه دائماً تطور في النوع الأدبي، ما ينتج عنه وجود أشكال أدبية جديدة تصاحب هذا التطور، على اعتبار أن الأدب يمثل صورة للمجتمع، وحاضناً رئيساً لفعل النهضة.

ويضيف: إذا كان لفن الأدب أنواع حددها »أرسطو« قديماً، إلا أن هذا الفن على مر العصور قد تفرع إلى أشكال وألوان وأطياف كالقصة والسيرة والشعر والمسرح.

وفي عصرنا الحالي تداخلت المجتمعات البشرية، وفي داخل كل مجتمع انداحت الطبقات الاجتماعية، فالعصر الراهن هو عصر الاندياح والذوبان والاندماج والتواصل، ونحن كنقاد نؤمن بالنظرة العلمية نقول: إننا نوازي بين التشكيلات الجمالية والتشكيلات الاجتماعية، ولو بدلنا الأمر فسنقول: إنه كما يحدث في التشكيلات الاجتماعية بين الشعوب والثقافات والملل، فإن ذلك يحدث داخل النوع الأدبي، سواء في داخل كل فن على حدة أو داخل الفنون مجتمعة.

ويضرب تليمة مثالاً على ذلك قائلاً: جاءني مؤخراً عمل أدبي من إحدى الأديبات لكنه مسجل بصوتها وليس مكتوباً بالشكل التقليدي، فهل أسميه رواية، أم إلقاء صوتياً، أم موسيقا؟ فقد صاحبه عزف من أحد الفنانين، أنا أميل إلى تسمية هذا النوع من التضافر الفني والأدبي ب»النص« فأي عمل فني هو »نص« لأنه يستلهم أدوات الفنون الأخرى كافة.

هناك كتابة جديدة تسعى جاهدة لاستلهام كل الفنون والأخذ منها بما يخدم رؤية الكاتب، فإذا كان الأدب التقليدي يعتمد على فكرة اللغة، وفن العمارة يعتمد على الكتلة، والمصور يعتمد على الضوء والظل، فإن هناك أعمالاً جديدة تستعين بكل هذه الأنواع وبتفاصيلها المختلفة.

ويرى د . تليمة أن هذا التنوع بما يتضمنه من ثراء معرفي يحتاج من الناقد أن يكون موسوعياً، بحيث يلم بأصول كل هذه الأنواع وأدواتها التي تشكل فضاءاتها المختلفة، فعليه أن يعرف قواعد الشعر والقصة والموسيقا والعمارة والتصوير وغيرها.

وهنا تزداد المسؤولية على الناقد والدارس لكي يكتشف التخوم المعروفة لكل فن ليبين القدر الموجود فيه من الرؤية المشتركة التي تجمعه مع الفنون الأخرى.

وهنا يمكننا أن نقول: إنه كما حدث تشكيل تاريخي واجتماعي، حدث أيضاً تآزر لكافة الفنون.

وعن دور المتلقي تجاه النص الجديد يقول د . تليمة: على المتلقي الذي يساير العصر أن يتقبل أي نوع فني جديد، لأنه تطور طبيعي للمعرفة البشرية، وهذا لن يتأتى إلا بزرع الرؤية المستقبلية في وعي الأجيال الجديدة من خلال التربية الثقافية للنشء في البيت والمدرسة والنادي من أجل أن يعوا هذه الحقيقة التي مفادها أن التطور الحضاري لابد أن يتبعه تطور معرفة وتطور في تقنيات هذه المعرفة، وبالتالي سيكون المتلقي قادراً على استيعاب هذه الحقيقة الجوهرية.

ويشير الناقد د . صلاح السروي إلى أن الفنون الأدبية هي بنت للتمرد ولفتح آفاق جديدة، فالآداب على مر تاريخها ليست أشكالاً ثابتة، فالشعر تطور من العمود التقليدي إلى التفعيلة ثم إلى قصيدة النثر، والأشكال السردية تطورت من الشكل الملحمي والمقامة إلى الرواية بشكلها الحديث . وقد انفتح الفن السردي على أشكال من الكتابة جعلته أكثر الفنون الأدبية استفادة من الأشكال الأخرى.

ويضيف السروي أن المستقبل ليس للفن الثابت في الشكل، وإنما في الشكل الأدبي القادر على المشاكسة والمغامرة، والذي يمتلك طواعية الانتقال والاستفادة والتأثير أيضاً في الفنون الأخرى، والمستقبل لما يمكن أن يسمى ب»النص المفتوح« .

أما الروائية والشاعرة د . عزة بدر فترى أن الاستفادة من الفنون الأخرى دفع بالحيوية والثراء إلى النصوص الأدبية والأشكال الأدبية معاً، إن الرواية مثلاً كشكل أدبي شديد المرونة، فن باتساع الكون وقابل لأن يحتوي بداخله الكثير من أشكال الكتابة.

كذلك الشعر فقد انفتح على نصوص أخرى بما يعرف باسم »التناص« في محاولة للعناق مع أفكار آخرين، وإبداعاتهم، حيث لا يكتب الشاعر وحده نصه، وإنما يكتبه مستوحياً تراثاً شعرياً عميقاً، بل تراثاً نصياً عميقاً، فهو بالتأكيد قد تسللت إلى شاعريته عشرات النصوص التي قرأها والتي قد تكون نثراً عملياً أو أدبياً أو تأملات في الكون والطبيعة بل أحيانا يتأثر بصور بصرية أو مزيج مما قرأه في الصحف أو شاهده في التلفاز أو على شاشة الإنترنت ويظهر هذا في شكل »كولاج« في قصيدته.

كل هذا يؤدي إلى نص غني وابتكاره يسميه بعض الكتاب »الكتابة عبر النوعية«، ولكن يبقى لكل شكل أدبي صفاته الخاصة، وسماته المميزة ونكهته اللاهثة التي تطبعه في أذهاننا كقصيدة أو رواية أو قصة، داخل هذا التنوع العظيم.

وتضيف د . عزة بالنسبة لي في روايتي »ثوب غزالة« استخدمت بعض قصائدي، إضافة إلى قصائد من الشعر الشعبي لشعراء آخرين، وهناك إشارات إلى أساطير ومعارف مختلفة من التاريخ القديم والحديث، وكذلك كان هناك عنصر المعلوماتية، إضافة إلى خبرات إنسانية تخصني أو تخص الآخرين . كذلك في قصصي يظهر هذا المزيج، وقد تأثر شعري بهذا التنوع بشكل ما، وربما بدأ هذا أكثر في النصوص النثرية، مثل كتابي »حق اللجوء العاطفي« .

وتشير د . عزة إلى أن كتابة »المدونات« تحمل نبض عصرها، وتحمل سمات الحياة التي نعيشها، فيها حيوية وتدفق والحياة الآنية المعاشة فيها رغبة لعناق عالم كبير ومحاولة التواصل معه بأي شكل، ورغبة في التواصل مع الآخرين في عالم يتصف بالضوضاء والتشويش والأحداث الكبيرة المزلزلة، وكثير من التفاصيل.

وتأمل هذا الشكل يمكن أن يأخذ اسم »أدب المدونات« يكون لها صفات خاصة يعكف عليها الدارسون لتصبح شكلاً جديداً من الأدب، لأن الأدب انعكاس لعصر، وأعتقد أن هذا الأدب سيكون له كتابه، وبالتأكيد الدارسون قادرون على استخراج ملامحه الجديدة والوثابة بما تحتويه من مغامرة وتمرد على الأشكال الأدبية السائدة.

أما الناقد د . حامد أبو أحمد فيؤكد أن اللحظة الراهنة هي لحظة ميلاد على المستويين الاجتماعي والسياسي، وكذلك على المستوى الثقافي وهي قابلة لميلاد أنواع أدبية أخرى بقدرتها على التجديد في اللغة والصورة والاستفادة من المنجز الواقعي أكثر من قبل، لكنها بالتالي تتطلب المزيد من المعرفة.

ويؤكد الروائي إبراهيم عبدالمجيد أن كثيراً من الأعمال الإبداعية الحالية، هي أشكال أدبية جديدة، ربما لو أعملنا فيها مرآة النقد التقليدي سنراها خارج الأشكال المتعارف عليها، فكثير منها استفاد من الوسائط التكنولوجية الحديثة، بشكل ما ربما قليل منها استفاد بشكل حقيقي والبعض اتخذ من هذه الاستفادة شكلياً من دون التعمق في مغزى الاستفادة وجدواها.

وأضاف عبدالمجيد أن من يسعى لتكوين نوع أدبي جديد عليه أن يمتلك موهبة فذة، وأن يمتلك التمرد الكافي لتجسير الهوة بين الأشكال الأدبية والفنية، فالمسألة ليست في تطوير الشكل بقدر ما تقوم به في تطوير الرؤية.

الشاعر محمد علي شمس الدين يقول: الحديث عن تداخل الأجناس ليس جديداً، فقد سعى الكتاب والمبدعون منذ سنوات وعقود إلى زحزحة الحدود بين أنواع الكتابة، وتحدث هؤلاء عن »النص المفتوح« كنموذج لإزالة القيود بين الممارسات الكتابية، ثم جاراهم عدد من النقاد في تحويل ذلك إلى أطروحات نقدية تحتفي بانفتاح النص الأدبي على التجريب والجرأة . ولكن كل هذا في رأيي لم يؤسس لنصوص جديدة تصنع قطيعة من الأجناس السائدة . لقد ظلت الرواية رواية رغم شعريتها، وظلت القصة قصة رغم انفتاحها السردي على الاقتضاب والتورية واللاوعي، وظلت القصيدة قصيدة رغم تغير الألاعيب والتقنيات اللغوية والمعجمية.

ينبغي أن نعترف أن هناك تداخلاً على مستوى المكونات والعناصر الصغرى داخل النصوص الأدبية، ولكن ذلك لا يرقى إلى تكسير هوية وجنسية هذه النصوص نفسها . قد تخلق هذه التداخلات نوعاً من الاضطراب لدى المتلقي وانطباعاته الذاتية حيال ما يقرأ، ولكن الأمر لم يتجاوز هذه الحدود، وذلك على الرغم من المبالغات التي تزعم أن  النص المفتوح على سبيل المثال يشكل مستقبل الكتابة الأدبية.

الواقع أن النص المفتوح بقي محصوراً في حدود قصيدة النثر، ولعل نثرية هذا الضرب من الكتابة الشعرية، وتوديعها للأوزان والتفعيلات هو ما أوهم الشعراء والنقاد والقراء أيضاً بأننا أمام نص يمحو الحدود بين الأجناس، بينما في الحقيقة ظلت هذه التجارب المفتوحة قليلة ونادرة، ولم تتحول هذه التجارب إلى نوع أدبي متكامل ومنفصل عن الأنواع التي نشأ عن تمازجها أو تجاهل مواصفاتها، وبقي أصحاب النصوص التقليدية السائدة في داخل الحدود والوثائق التي تفرضها عليهم شروط ومتطلبات هذه النصوص

ويقول الشاعر أنطوان أبو زيد: في البداية ،ينبغي أن نجري فصلاً بين النقد الجدّي، المستند إلى خبرة وعلم مختص، وبين الأساطير، بل الخرافات النقدية . وينطبق هذا الأمر على ما لدينا في النقد العربي.

قبل المباشرة في الجواب عن انفتاح الأجناس الأدبية، لا بدّ من معرفة هذه الأجناس قبل خلطها ومزاوجتها وافتراض انفتاح بعضها على بعض، وهذا ما لم نقم به نحن العرب . إنما تجد تعريفات جديدة للأجناس تأخذ بالحسبان تأريخها وتفريعها على ما فعل جونيت وغيره في الغرب . أما القول بوجود انفتاح الأجناس فنقول: نعم، بمقدار ما تتداخل المظاهر والأبعاد الإنسانية في حياتنا المعاصرة . نعم تداخلت الموسيقا مع المسرح والرسم والشعر والرواية والسياسة من حيث كونها ميادين، وتداخلت الفنون نفسها، وانفتح بعضها على بعض في كلّ نتاج فني  . فالرواية لم تعد نفسها منذ انطلاقتها في القرن السابع عشر، بل صارت تناصّاً واسعاً للسرد والغناء والشعر والسجلات والتقارير . . ولكن هذا لا يعني أنها لم تعد رواية أو لم يعد لها قوام سردي . أما الشعر فحدّث ولا حرج عن كسر الحدود وتداخل الفنون الأخرى عليه، وتناصّها فيه  .أما مسألة التشكّل فهذه حاصلة بعد زمن الإنتاج لا قبله ولا يمكن التكهّن بقابلية فن على التزاوج والتلاقي والانصهار بجنس آخر قبل حدوثه . وما أعرفه أن على العرب، نقاداً ومبدعين ألا يكفوا عن التجريب ولا عن مساءلة الأجناس وتحديثها أو تأصيلها بما يخدم التعبير عن قضاياهم الفردية والجماعية وهي كثيرة.

وإن شئت الأخذ ببعض الكلمات: نقول إن مسألة الانفتاح على الفنون لم تعد محصورة في الرواية والشعر وإنما تعدتهما إلى السينما والمسرح والرسم الذي بات بعضهم يشكّ في وجوده لفرط ما داخله من تغيير وهجوم لتجهز عليه، والغناء والترسّل والمقالة وغيرها من الأجناس . إلا أن المهم في رأيي هو معرفة أن التداخل بين الفنون لا يلغي الجنس الأدبي الأكبر، وأن الأخذ أو التناص أو التجانس لا يعني إعفاء الأديب من معايير الجنس الذي يكتب فيه، بل إن ذلك هو دعوة له ليبتكر جنساً فرعياً آخر ما دام كل عمل أدبي مبدع جنساً جديداً فرعياً من جنس أصلي وأكبر.

ويقول الناقد حسين بن حمزة: رغم كل ما قيل عن تداخل الأجناس الأدبية، فإن هذا التداخل لم يصنع نصاً جديداً يختلف في هويته وطريقة إنجازه عن النصوص التي نعرفها أو التي تداخلت لكي ينتج هو عنها . ربما أسهمت الحداثة، ولا أقصد الحداثة الشعرية والأدبية، بل الحداثة بكل معانيها، في انفتاح الأدب على السينما واللوحة واالصورة الفوتوغرافية والموسيقا، ولكن هذا الانفتاح ظل في حدود استثمار الكتاب لعناصر و تأثيرات محددة، كأن تُكتب قصيدة وفق إيحاءات تشكيلية ومشهديات مرئية، أو تُكتب القصة القصيرة بمزاج سينمائي يستثمر فيها المؤلف تقنيات المونتاج والتقطيع واللعب بالزمن، أو تُكتب رواية على شكل فصول تستفيد من الشعر أو يسعى صاحبها إلى كتابة نص مفتوح على احتمالات سردية وشعرية متمازجة.

قد يقال: إن القصة القصيرة جداً نشأت من القصة والقصيدة معاً بسبب كثافتها، إلا أن هذه الممارسة الإبداعية ظلت في حدود ضيقة، كما أنها لم تتحول إلى جنس أدبي خاص يمكنه منافسة الأجناس التقليدية . وعلى المنوال نفسه، صار لدينا قصيدة قصيرة أو القصيدة الومضة أو القصيدة المؤلفة من سطر واحد يحتوي على استعارة مكتفية بنفسها، إلا أن ذلك لم يؤخذ من قبل النقاد والقراء على أنه جنس جديد، بل اعتُبر مقترحاً إبداعياً داخل الجنس نفسه.

 

صحيح أن مقترحات من هذا النوع تتضمن قدراً ثميناً من الجرأة والجودة والتميز، ولكن ذلك قد يلقى حفاوةً نقدية وانطباعات مدهشة، من دون أن يُعامل كجنس أدبي جديد . في رأيي الشخصي، الأدب نوعان: شعر ونثر، والباقي تفاصيل لا أراها جوهرية في عملية الإبداع . ويجب التفريق هنا بين خلط الأنواع الأدبية وبين نشوء نوع جديد نتيجة هذا الخلط.

وحتى عندما يكتب شاعر الرواية أو المسرحية أو القصة، فإن صفته الأولى كشاعر تظل ملتصقة به . التجريب  ضروري في الكتابة، وكذلك السعي إلى توسيع الحدود أمام الكتابة الإبداعية في مجمل الأجناس، إلا أن هذا لم ينتج عنه حتى الآن جنس أدبي جديد في رأيي . هناك تطورات كثيرة في الأدب وفي أجناس الكتابة، ولكن هذه التطورات تشكل نوعاً من التفاعل والتكامل الطبيعي بينها، وهي بالتالي لا تعيش حالة صراع . هناك شعرية في السرد الروائي والحكائي، وهناك مسرحيات شعرية، وهناك سرد  واسترسال في الشعر المعاصر، وهناك نصوص مفتوحة، كما أن الشعر موجود في كل الفنون تقريباً، وليس في الأجناس الأدبية فقط، إذْ غالباً ما يرى أحدنا فيلماً أو منظراً خلاباً أو جمال امرأة، فيقول: هذا شعر . وأظن أن الكثير من التجارب التي تحاول خلط الأجناس أو اختراع نصوص جديدة، ما هي إلا حصيلة تشظي الخطاب الأدبي وعناصره الجمالية، وهو ما يتجلى في ارتباك أغلب هذه النصوص، وإرباكها للقارئ أيضاً.

الأكاديمي عبدالسلام ولد حرمة يرى أن »الأجناس الأدبية التي يمكن أن يأتي من خلالها العمل الإبداعي متعددة ومتداخلة لكنها ليست أشكالاً موضوعة للاقتناء، بل هي أوعية وقوالب تتناغم مع موضوعات وهواجس ومشاعر الكاتب والمبدع مع رؤى تكون هي هذه الأجناس الأدبية مهيأة لاحتوائها وتمثل القالب التعبيري الأنسب.

وإذا كان القول التاريخي المأثور بأن أكثر الأجناس الأدبية التصاقاً بالعرب هو الشعر، فإن أجناساً أخرى زاحمته على هذه الخاصية في العصر الحديث وفي مقدمتها الرواية، التي  يرى الراحل الكبير عبدالرحمن منيف أنها هي الجنس الأدبي الأقدر اليوم على احتضان تواريخ ودواوين العرب وغيرهم من الأمم . ومع ذلك فهي كثيرة التعالق مع غيرها من الأجناس الأدبية خصوصا السردية كما يقول الكاتب والروائي المغربي أحمد المديني الذي يعتبر الخيط الفاصل بين أغلب تلك الأشكال دقيقاً، حين يصطدم بمفارقة أو بنظرة مفارقة غير مألوفة عند منعطف في مرور يومي إزاء حادثة من طراز غير عادي في لحظة زمنية هي الحاضر بالذات، فهذا قد يمثل عنده مادة لقصة قصيرة . لأن القصة القصيرة العابرة تلتقط العابر واللحظة والمفارق، ولو كان يريد كتابة رواية  فإنه يحتاج إلى أن يهيئ لها توثيقها وخبرتها وثمة حكاية كبيرة ومصائر متشابكة ورؤية للعالم تتحرك وراء هذه المصائر والأحداث التي يريد أن يرويها للقارئ وعن أمور تمت وانتهت واكتملت  على حد تعبير الميني  فيأتي السرد ليرويها ويأتي السرد ليرفعها فوق سدة الواقع إلى تخوم التخييل.

وهذا ما يؤكد أن كل جنس وأداة من أدوات الفن رغم تداخلها، تمتلك خصائصها، وبالتالي قوتها وطريقتها في القول وتستطيع أن تسهم في خلق المناخ الملائم للتعبير.

ومن الضروري من وجهة نظرنا مراعاة خصوصية كل جنس ومحاولة اختيار العمل الإبداعي داخل وعائه وباستعمال خصائصه الأسلوبية والجمالية والإيقاعية، وعدم التوغل كثيرا في البحث عن إزالة الحدود بين الأجناس لأن ذلك من شأنه أن يقودنا إلى إدمان سرك لغوي وأدبي وهشيم هابط يروم إخراج أجناس هجينة مائعة تكون لا متناهية الشكل ولا الإشارة لكون ميلادها العبثي أو القيصري لم يفرزه التطور الطبيعي والتراكمي الهادئ للذائقة الأدبية الجماعية.

الكاتب والأستاذ الجامعي الدكتور أحمد ولد نافع يقول: »ليس جديداً الحديث عن ظاهرة انفتاح، بمعنى تداخل الأجناس الأدبية على بعضها البعض، وتناصها في جنس أدبي واحد يشكل محصلة ناظمة من أجناس أدبية وإبداعية شتى، فقد تتداخل الرواية، مثلاً، مع القصة، والمسرح والسينما والدراما والقصيدة الشعرية مقفاة أو حرة والفن التشكيلي وغير ذلك. .

وقد يفسّر بعض أهل الاختصاص ذلك بعدم احترام التخصص في هذه الحالة، خصوصا في الحالة التي يتم فيها توليد جنس أدبي هجين ومخلق، بينما يتفهمه آخرون ضمن حرية الإبداع الأدبي ومزيد من الإبداع الذي لا يعترف كثيرا بقدسية الحدود بين الأجناس الأدبية.

ولأن هذه الأجناس الأدبية تتفاعل في ظل التطورات المتسارعة علمياً وثقافياً، فإنها بالضرورة تبين أن الأدب سيتقاطع حتما مع الفنون الأخرى  في إعادة ربما للمقولة القديمة المتعلقة بالفلسفة يوم كانت »أمًّا« لكل العلوم والمعارف الأخرى المختلفة قبل أن تتراكم المعارف على نحو أفضى بكل علم إلى النزوع الاستقلالي بمنهجه الخاص بعيداً عن المنهج الفلسفي الذي ترعرع في أحضانه

ولهذا فإن تلك التحليلات، ربما تكون مصيبة في ما ذهبت إليه« .

حبيب الله ولد أحمد يعتقد أن هذا السؤال مطروح على الساحة الأدبية العالمية بقدر ما هو مطروح على ساحتنا الأدبية العربية فهناك أزمة شكل بالفعل بالنسبة لكثير من النصوص، وكثير من الكتّاب الذين جعلوا أعمالهم تنفتح على كل أشكال التعبير، بحثاً عن شكل جديد أو شكل أكثر تحرراً من القوالب الاعتيادية المضبوطة بالمسطرة والفرجار كما يقال . وداخل كل شكل من أجناس التعبير الأدبي توجد أزمة هوية، وهذا ليس عيباً في حد ذاته، وقد تكون مصالحة الأجناس الأدبية وانفتاحها على بعضها البعض هو الأفضل للكاتب المتحرر من عقدة الشكل الكلاسيكي للقصيدة أو الرواية أو القصة . . ونحن هنا لدينا رواية »أودية العطش« لبدي ولد أبنو، وهي رواية في قالب قصيدة أو قصيدة في قالب رواية، بل أبعد من ذلك يخرج قارئ هذه الرواية وهو يدرك أنه قرأ رواية وقرأ مسرحية وقصيدة وقصة وتصورات فلسفية، وكل ذلك في سرد لغوي وشاعري وإنساني يدفع القارئ النبيه إلى أنه أمام نص استثنائي أو جنس أدبي جديد بالفعل تجاوز الحدود الفاصلة بين كل الأجناس الأدبية إلى قالب متحرر يليق بسعة التعبير والإبداع التي حاول الكاتب عبرها نقل مشاعره وأفكاره إلى المتلقين.

لكن أليس من حقنا أن نعتبر أن البحث عن أجناس أدبية جديدة هو لعبة تفويت وقت؟ وأن أغلب الأدباء العظام في العالم لم يورطوا أنفسهم في لعبة الأجناس، وإنما كتبوا وفق أشكال كانت مألوفة قبلهم . . وفي الشعر العربي مثلاً لم يبحث المتنبي عن شكل جديد للقصيدة العربية، وإنما ركز على الإبداع ذاته، والمتنبي هو من هو . فأين من جاؤوا بأجناس جديدة في الشعر العربي من بعده؟

ويضيف ولد حبيب الله، ما دام الإنسان على هذا الكوكب لن يتوقف عن ملاحقة الإبداع الذي هو جوهر حياة الإنسان، ولن يتوقف المبدع عن محاولات تطوير شكل ومضمون للإبداع يتيح له التميز ولنصوصه الوصول إلى الجمهور والتحرر من قيود قد تحد من حرية الكاتب، ولا توجد لها أي ضرورة ولا مسوغ.

إنني أعتقد أن الإبداع هو من يحدد شرعية أي جنس أدبي، وأحقيته في البقاء، وأهليته لاحتضان مشاعر وأفكار الناس . وما يدعو إلى الشفقة هم أولئك الأدباء الذين يبذلون في الشكل من جهد ومثابرة أكثر مما يبذلون في مضمون ما يكتبونه.

وأظن أن مسألة الأجناس الأدبية مع ذلك لن يتم تجاوزها بسهولة بل يستحيل تجاوزها وأرجح أننا سنشهد ميلاد أجناس أدبية جديدة نتيجة تراكم التجارب والبحوث ومتطلبات الإبداع ما ينتج عنه بشكل حتمي ميلاد أجناس أدبية جديدة قد تكون قيد التشكل، وقد تكون التحليلات الأدبية في هذا المجال مقدمة لها بناء على ما لمسه النقاد من إرهاصات أجناس أدبية جديدة.

القاهرة، بيروت، نواكشوط – "الخليج الثقافي":

 

كتبت بواسطة : محمد سناجلة    04/06/2013
التعليقات

لا يوجد تعليقات

 
اضف تعليقك
الإسم الكامل
العنوان
المحتوى
 
شات
شات
صقيع
صقيع
ظلال الواحد
ظلال الواحد
مساحة إعلانية